Libya is a beautiful country

Nafosa Mountain

Old Stories and Beliefs قصص ومعتقدات قديمة 

 

قصص ومعتقدات أمازيغية قديمة:

 

معتقدات الامازيغ او معتقدات البربر هي التصورات الميثية والاسطورية التي نسجها الامازيغ، وذلك ايمانا منهم بوجود قوى عليا تحرك العالم وتحكمه، وكأي شعب سعى الأمازيغ للبحث عن هذه القوى والتقرب منها. لم يؤمن الأمازيغ بآلهة أمازيغية فقط، وانما تأثروا بمعتقدات جيرانهم المصريين كما تأثروا بالمعتقدات الفينيقية والاغريقية والرومانية، وبجانب الإيمان بتعدد الآلهة وأخيراً آمنوا الأمازيغ بالديانات السماوية (الاسلام والمسيحية واليهودية)

 

يمكن التمييز بين ظاهرتين ترتبطان بالطقوس الدينية المرتبطة بالموت عند الامازيغ، فقد اهتم الأمازيغ بجانب الطقوس الدفنية ايضا ببناء الأضرحة والقبور، كما قدسوا أسلافهم وملوكهم كالفراعنة المصريين

 

كان أسلاف الأمازيغ يصبغون جثث موتاهم بالطين الاحمر او الاوكر وكانت هذه العادة قفصية أكثر مما كانت ايبيروا مورسية، وكلاهما يعتبران اسلافا للبربر. كشفت بعض المقابر القبل تاريخية انه كانت توضع بعض الادوات مع الميت كالأسلحة والحلي وقشور بيض النعام، ربما ليستخدمها في العالم الآخر

خلافا لأمازيغ الشمال افريقي، قام الغوانش وهم سكان جزر الكناري الأصليين بتحنيط جثث موتاهم فكان البعض منها يجفف ويلف بجلد الماعز. اما في شمال افريقيا، فقد عثر فاريزيو موري عن مومياء ليبية قديمة اقدم من المومياءات المصرية

يعتبر مؤلفوا كتاب البربر الأنجليزي ان تقديس الموتى أحد أهم مميزات الأمازيغ في العصور القديمة. وبالفعل فهي ظاهرة قديمة في شمال افريقيا غرب مصر، حيث كتب عنها بومبينوس أنه في أوجلة تعتبر أرواح الأسلاف بمثابة آلهة. اذ انهم يقسمون بها ويستشيرونها في أمورهم ثم ينامون ليتلقوا الأجابات في شكل أحلام

لم يغفل هيرودت الذي يرجع الفضل إليه بامداد الكتب التاريخية بأخبار ليبيا القديمة، حيث يروي لنا في الكتاب الرابع في أطار الحديث عن قبيلة الناسمون ما يلي

يقسمون برجال منهم عرف عنهم الورع والشجاعة في حياتهم، بعدما يضعون ايديهم على قبورهم. وهم يتعبدون بزيارة القبور التلية لأسلافهم، ويستلقون فوقها بعد الصلاة. ويتقبلون كل ما سيرونه في منامهم

 

  يعرف القمر باسم "ايور" في اللغة الأمازيغية، والاسم نفسه كان يشير إلى الرب القمر لدى الأمازيغ كما اوضح كامبس. وعبادة القمر عموما تضرب في القدم فكما أكدها ابن خلدون، نجد ان المؤرخ اليوناني هيرودوت قد سجل ان الليبيون القدماء على اختلافهم كانوا يقدمون القرابين للشمس والقمر حيث قال

يبدأون بقطع اذن الضحية ويلقونها على منازلهم ثم يقتلونها بلي عنقها. يتقربون بها إلى الشمس والقمر، ولكن ليس لأي الآه آخر، وهي طقوس معروفة عند كل لليبيين

اما في القرن الأول قبل الميلاد فقد أشار شيشرون إلى تقديس الملك النوميدي ماسينيسا للشمس، حيث قال نقلا عن سيبيو افريكانوس: "حين قدمت اليه، عانقني الشيخ - يقصد ماسينيسا - بعيون دامعة، ثم نظر إلى السماء قائلا

اشكرك ايتها الشمس العظيمة كما اشكرك ايتها الكائنات السماوية لاستقبالي سيبيو في حياتي ومملكتي وقصري

الى جانب هذه الروايات التاريخية، تم العثور على نقوش باللغة اللاتينية تحمل معنى الشمس العظيمة، ومن امثلتها عبارة  التي عثر عليها في سوق احراس بالجزائر الحالية. وفي التراث المسيحي المصري نجد أن عبدة الشمس من الأمازيغ قد حاولوا اجبار الأنبا صمويل على تعظيم الشمس . إلى جانب الشمس والقمر عبد الأمازيغ الكهوف والجبال والوديان والحجارة

المصريون القدماء هم أقدم جيران الأمازيغ، وهم اقربهم عقائديا اليها. تضرب جذور العلاقات المصرية الأمازيغية في اعماق التاريخ، وقد اشارت اقدم كتابة مصرية إلى احدى قبائل البربر القديمة وهي التحنو. أكثر من ذلك يميل بعض المؤرخين إلى جعل اصل صحراوي قبل تاريخي مشترك بينهما، ومن ثم كان تشابك المعتقدات المصرية والامازيغية في حالات مختلفة 

 يعد كل من الألهين أزيس وأوزيريس ابرز الآلهة المصرية القديمة التي اكتسحت معتقدات الأمازيغ الشرقيين، وهو ما سجله هيرودوت قائلا:

على الرغم من أن هذه القبائل الليبية لا تعرف طعم لحم البقر، فأنها تمتنع عن أكله كالمصريين للسبب نفسه، وكلاهما لا يربون الخنازير. حتى في قورينا تعتقد النساء انه من الأثم أكل لحم البقر، وهم بذلك يعظمون الربة المصرية أيزيس، حيث ان كلا من الشعبين يتقربان اليها بالصيام والاحتفالات. اما النساء البرقيات فهن لا تمتنعن عن أكل لحوم البقر فقط، وأنما تمتنعن أيضا عن أكل لحوم الخنازير.

يبدو ان هذه القبائل قد امتنعت عن أكل لحوم الخنزير لأنه كان حيوان مقدس، فيما امتنعوا عن أكل لحوم البقر لكون البقرة حيوان أيزيس المقدس، حسبما يرى المؤرخ الليبي محمد مصطفى بازمة. كان أوزيريس من ضمن الآلهة المصرية التي عبدها الأمازيغ كما أن مكانا على الأقل ذكره هيرودوت كا يحمل اسم "أزيريس". لكن على الرغم من ذلك يعتقد بيدج (وقلة أخرى من المتخصصين) أن أوزيريس كان معبودا من أصل ليبي، قائلا: "أن كل النصوص التي أشارت إليه خلال كل الفترات كانت تصب في اتجاه كونه في شرق شمال افريقيا وأن موطنه الأصلي قد يكون ليبيا

 

  اشار المصريون القدماء إلى بعض من آلهتهم على اعتبارها ليبية جاءت من شمال افريقيا غرب مصر كما تصورا بعضها حاكمة لتلك المنطقة. من ابرز تلك المعبودات نجد الربة نايت، وهي ربة بارزة في المعتقدات المصرية اعتبرها المصريون ربة ليبية استقرت في النيل غرب الدلتا. و كان الليبيون القدماء يتزينون بوضع وشم لها على اجسادهم.

يلاحظ ايضا ان بعضا من الآلهة المصرية القديمة قد جسدت بريشتين كالربة أمنت. والريشتين هما عادة ليبية استخدمها الأمازيغ في تزيين شعرهم كما كانت تشير إلى الدرجة الاجتماعية العالية كما صورتهم ريشة أحد الرسامين المصريين. اضافة ألى ذلك كان رمز الريشة يعني الغرب اي بلاد الأمازيغ في الكتابة الهيروغليفية كان الغرب يسمى "أمنت" في اللغة المصرية القديمة وهو ما يمكن ربطة باسم احدى الربات المصريات هي امن أو أمنتت

 

  الفينيقيون هم أحد الشعوب السامية، نسبة ألى ابن نوح "سام". اصلهم من فينيقيا في لبنان الحالية، وكانوا بحارة مهرة استقروا على السواحل المتوسطية، شيدوا قرطاج في تونس الحالية وتعاملوا مع سكانها وتزاوجوا معهم وربطتهم علاقات يمكن تقسيمها ألى مرحلتين بحسب أثرهما على ديانة الطرفين

 

في القرون الأولى من حياة قرطاج لم تكن هناك علاقات قوية بين الليبيين والفينيقيين. استمر فينيقو قرطاج بعبادة آلهتهم الأصلية خاصة بعل وعشتارت. واستمرت هذه العبادات الأصلية إلى وقوع ما يعرف بحرب هيميرا بحيث هزم القرطاجيون بسهولة ضد الأغريق

 

بعد هزيمتهم أمام الأغريق، بدأ القرطاجيون بتغيير علاقاتهم مع الليبيين، بعدها سيصبح للأمازيغ دور فاعل في قرطاج بحيث تستفيد قرطاج من الجيش الليبي الذي سيكون قوة ضاربة في جيش هنبعل. ألى جانب هذه التغيرات العسكرية تم تغيير الحكم في قرطاج كما اكتسحت المعبودات الليبية المعتقدات القرطاجية. فبعد ان كانت عشتارت ربة عظيمة في قرطاج اسبدلت بربة ليبية اسمها تانيت وهي ربة تمتعت بنفوذ واسع، وكان القرطاجيون يقدمون لها ابناءها تقربا أليها خاصة الفقراء منهم. أما بعل كبير آلهة الفينيقيين فقد دمج مع آمون كبير آلهة الليبيين وهو ما اصبح يعرف باسم بعل-حمون. يذكر أن بعض الأسماء النوميدية والفينيقية كانت تتكون جزئيا من اسم بعل ك: "أدهربل" و"حنيبعل"

 

تعتبر قورينا المركز الحضاري الأساسي الذي تلاقحت فيه الثقافتين الأمازيغية والاغريقية، اذ أثرت كل منهما في الأخرى. لكن على الرغم من هذا التفاعل الايجابي بينهما، عرفت علاقاتهما توترات انتهت بحروب قوية. عموما يمكن التمييز بين مرحلتين في العلاقات الأمازيغية الاغريقية، كما لكل مرحلة منهما طابعا متميزا اضفته على مورفولوجيا عقيدة الشعبين

 

منذ الوهلة الأولى يتجلى التأثير الليبي في المجتمع القوريني في الأسم "قورينا" نفسه. يرجع أصل التسمية حسب الأسطورة ألى صيادة أسود ليبية شجاعة كان اسمها سيري أو كيري. تفيد الأسطورة أن ألاه الأغريق اعجب بها واتخذها رفيقة له، كما اتخذها القورينيون حامية لهم إلى جانب أبولو. تزاوج الأغريق مع الليبيات كما تبنوا تقاليد ليبية، وتعلموا ربط أربعة أحصنة بالعربة من الليبيين

أما من الناحية العقائدية، فقد بنى القورينيون معبدا للأله آمون، ووحدوه في ما بعد بكبير آلهتهم زيوس. وعن طريق القورينين عرفت عبادة آمون شهرة واسعة في بلاد الأغريق ويذكرالمؤرخون أن ألكسندر المقدوني قطع مئات الكيلوميترات عبر الصحراء ليصل ألى معبد آمون في سيوة حيث تمتبنيه كابن لزيوس

ألى جانب عبادة آمون، يذكر المؤرخون القدماء أن آثينا الربة الأغريقية التي منحت اسمها للمدينة الأغريقية أثينا، من أصل ليبي. وهيرودوت يعتبر أبرزهم حيث قام بتغطية عبادة هذه الربة في ليبيا، وهو يعتقد أنها هي نفسها الربة نايث التي كانت تعبد حول حول بحيرة تريتونيس حيث ولدت من بوصيدون والبحيرة تريتونيس، بحسب الأسطورة الليبية. ويعتقد هيرودوت أن لباسها والأيغيس من أصل ليبي، لأنها مشابهة لما ترتديه النساء الليبيات

يذكر هيرودوت إلى جانب ذلك أن بوصيدون، أخ كبير آلهة الأغريق زيوس، ألاه ليبي في الأصل وأن الأغريق قد عرفوه عنهم، حيث يقول 

... وتلك المعبودات التي يزعمون (يقصد المصريين) عدم معرفتهم لها ، وعلمهم بها ، يبدو لي ، أنها كانت ذات أصول وخصائص بلسجية ما عدا بوسيدون ، فإن معرفة الإغريق لهذا الإله ، قد كانت عن طريق الليبيين ، إذ ما من شعب انتشرت عبادة بوسيدون بين أفراده منذ عصور عريقة غير الشعب الليبي ، الذي عبده أبدا ، ومنذ القديم

 على العموم، يبدو أن بعض الآلهة الأغريقية مرتبطة بشكل أو بآخر ببلاد البربر، فقد اعتقد الأغريق القدماء أن الربة لاميا من أصل ليبي اتخذها زيوس زوجة له، كما اعتقدوا أيضا بالأصل الليبي ل:"مادوسا" و"الغورغون". اعتمادا على كتابات هيرودوت يبدو أن الأغريق عرفوا الرب تريتون في بادئ الأمر في ليبيا. ويميل بعض المؤرخين القدماء إلى اعتبار ان حدائق الهسبريدس كانت توجد في المغرب الحالي في مدينة طنجة على الأرجح. وقد كان الأغريق يعتقدون أن الهسبريدس حدائق للعملاق أطلس الذي حكم عليه زيوس بحمل السماء، وأسطورة العملاق أطلس تنطبق مع رواية هيرودوت الذي سجل أن بعض قبائل البربر كانت تعبد الجبل أطلس وأن تلك القبائل كانت تعتبره أعمدة السماء

بدأ الانسجام بين الشعبين يتلاشى في عهد باتوس الثاني، فقد قام هذا الأخير بدعوة مجموعات اغريقية أخرى إلى قورينا الشيء الذي بدأ يقلق الليبيين الذين رأوا في ذلك تهديدا لوجودهم. لجأ الليبيون في بادئ الأمر ألى طلب العون من المصريين وهو ما كان لهم، غير ان الأغريق تمكنوا من هزمهما

يبدو ان هذا الصراع الليبي الأغريقي قد وجد له نصيبا في عقيدة كل من الشعبين، بحيث يعتبر أنتايوس تجسيدا لذلك الصراع. كان أنتايوس ابن بوصيدون آله البحر والربة غايا ربة الأرض، وكانت له رفيقة اسمها طينجس

تحكي الأسطورة أن العملاق الأغريقي هرقل توجه ألى شمال افريقيا والتقى أنتايوس الذى لا يهزم طالما كان بأمكانه الأتصال بأمه الأرض، لكن هرقل اكتشف الأمر فرفعه عنها إلى أن هشم أظلاعه وتمكن منه. بعدما قضى هرقل على أنتايوس اتخذ تينجيس رفيقة له، وانجبت منه ابنا يسمى صوفوكس، زعم بعض الحكام الليبيين انهم احفاده ك:"يوبا الأول". واذا كانت بعض المصادر القديمة قد وصفت أنتايوس بملك أيراسا، فأن الروايات الاخرى اعتبرته حامي بلاد البربر في طنجة، حيث أورد بلوتارك ما يلي:

يروي الليبيون أنهم دفنوا أنتايوس في هذه المدينة "طنجة"، وقد قام سيرتوريوس بفتح قبره واندهش من حجمه الشيء الذي جعله يشكك في رواية هؤلاء البرابرة

 

   بدأت الروابط الرومانية الأمازيغية كتحالف نوميدي روماني ضد قرطاج، فبعد هجوم هنبعل الذي هدد وجود روما، قرر الرومان تدمير قرطاج وكانت الظروف ملائمة لتحالف قوي مع النوميديين، وبالفعل تم تدمير قرطاج البونيقية لكن سرعان ما ضمت أراضى نوميديا إلى الامبراطورية الرومانية

 

زمن المقاومة، برزت آلهة حربية اعتبرها الأمازيغ القدماء أربابا للحروب تقف ألى جانبهم وتحميهم. وفي زمن مقاومة البربر للرومان برزت الربة أفري أو أفرو وهي ربة يشير اسها إلى الكهف وتعتبر ربة حامية لبلاد البربر كانت ذا نفوذ واسع حسب ما ذكر بيلينوس الشيخ من أنه لايجرأ أحد على الأقدام على عمل ما حتى يستشير الربة أفريقيا أي افري. ظهرت هذه الربة على نقود نوميدية منذ القرن الأول قبل الميلاد، ورافقت الأمازيغ في حروبهم ضد الرومان. اما عندما استقرالرومان في شمال افريقيا بدأ تجسيد هذه الربة على النقود الرومانية في شمال افريقيا كما اتخذها الرومان حامية لهم

الى جانب افري، عرف الأمازيغ عبادة غورزيل المجسد برأس الثور ،وهو ابن وحي آمون، وقد حمله الأمازيغ في حروبهم ضد البيزنطيين ويذكر كوريبوس أن شخصية مورية تدعى جرنة كان يعتبر الراهب الأعلى ل: "غورزيل" كما كان شيخ قبيلة لواتة ورئيس كونفدرالية القبائل المورية في حروبهم ضد البيزنطيين. ويروي الكاتب نفسه أنه عندما انهزم المور(يطانيون) فر جرنة وهو يحمل الصورة المقدسة لألاهه غورزيل، غير أن اعداءه لحقوا به ودمروا صورة ألاهه. ويعتقد الباحثون أن أنقاض معبد في المدينة الليبية غيرزا كانت في الأصل معبدا ل:"غورزيل"، ويبدوا أن المدينة نفسها قد سميت نسبة أليه

بعد احتلال شمال غرب افريقيا، انتشرت عبادات من أصل روماني في تلك البلدان وكان أشهرها عبادة جوبيتر كبير آلهة الرومان وهو الألاه الذي عرفه البربر باسم ماستيمان. كما أحدث تمازج بين كبير آلهة الليبيين آمون وبين كبير آلهة الرومان جوبيتر بحيث أصبح يطلق على ذلك الألاه اسم "جوبيتر-آمون". انتشرت ايضا عبادة الألاه الروماني "ساتورنوس" الذي كان له تأثير كبير على معتقدات أفريقيا الرومانية، اذ يورد القديس ترتوليان أن الأطفال كانوا يقدمون علنا كقربان ألى ساتورن. ويميل بعض المؤرخين إلى اعتبار ساتورن الشمال افريقي في جوهره امتدادا لعبادة الرب القرطاجي "بعل حمون".

في عهد حكم الامبراطور الليبي الأصل سبتيموس سيفيروس، ادخلت عبادة تانيت الليبية إلى روما

 

 

 

 

 

 أهم شخصيات منطقة جبل نفوسة:

- شيشنق

- سليمان الباروني

وغيرهم من الشخصيات المهمة

 

شيشنق (شاشانق شيشاق شوشنق) 925 - 950 ق.م ملك فرعوني مصري من أصول أمازيغية ليبية:

 

يرجع نسبه إلى قبائل المشواش الليبية، مؤسس الأسرة الثانية والعشرين وهو ابن نمروت من تنتس بح. استطاع أن يتولى الحكم في بعض مناطق مصر حيث جمع بين يديه السلطتين المدنية والدينية وهكذا وبسهولة تامة استطاع شيشنق أن يتولى الحكم في مصر بمجرد وفاة آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين وبالتالى أسس الأسرة مصرية ثانية و عشرون (الليبية) في عام 950 ق.م التي حكمت مصر قرابة قرنين من الزمان. أما الإغريق فسموه سوساكوس.

كان الجيش المصرى ابتداءً من الأسرة العشرين يتكون من الليبيين دون سواهم وقد كان ملوك مصر في ذلك الوقت يقدمون لهؤلاء الجنود هبات من الأرض كأجور لهم مما أدى إلى تكون جاليات عسكرية كانت القيادة فيها لليبيين دون سواهم وقد وصل بعض العناصر من المشواش إلى مناصب هامة في البلاط الملكى وإلى مراكز القيادة في الجيش.

خلال حكم العائلة الحادية والعشرون الذي دام مائة وثلاثين عاما تقريبا عصفت خلالها الأحداث بمصر من الداخل والخارج وعم الفساد بالدولة أنهكت الضرائب كاهل الشعب مما أدى إلى تفكك البلاد ولم يجد الفرعون بداً من محاولة حل المشاكل سلميا وأطر من خلالها إلى مهادنة مع إسرائيل أيضا التي كانت قوتها تتعاظم في فلسطين تحت حكم سيدنا داوود، وعقد معها صلحاً.

في هذه الفترة كان ظهور شيشنق وبدأ يعد خطة صامتة ولم يلجأ إلى خلع الفرعون بسوسنس الثاني آخر ملوك هذه الأسرة ولكنه انتظر حتى يموت وفي هده الفترة قام بتوطيد مركزه العسكري والديني في الدولة وأدرك شيشنق منذ البداية أنه ليحكم هذه البلاد عليه أن يكسب ود الشعب المصري وذلك بالحفاظ على مورثاتهم ومعتقداتهم الدينية التي كانوا يعتزون بها وساعده في سيطرته نفوذ عائلته الديني في البلاد، حيت يتضح من النقوش المصرية أن والد شيشنق الأول ورث عن أجداده منذ ماواساتا رئاسة الكهنة في طيبة، وحمل لقب الكاهن الأعظم.

عند موت الفرعون بسوسنس الثاني تقدم شيشنق واستولى على الحكم بهدوء ومن دون مقاومة من أحد، وأعلن قيام الأسرة الثانية والعشرين، وكان ذلك حوالي عام 940 قبل الميلاد.

فى عهده غير الكثير من شكل الحياة في مصر وكتب في إحدى الصخور في وادي الملوك بمصر أقوى المعارك التى قادها منتصرا، وحكمت أسرته من بعده مصر لمدة 250 عام.

أول عمل قام به هو تعيين ابنه أوبوت كاهنا أعظم في طيبة ليضمن السيطرة على هذا المركز الهام، وبعد ذلك بدأ بتنفيذ برنامج عمراني واسع ماتزال آثاره الخالدة حتى هذا اليوم، منها بوابة ضخمة تعرف الآن بإسم بوابة شيشنق وكانت تدعى في عصره ببوابة النصر وهي جزء من امتداد الجدار الجنوبي لبهو الأعمدة الشهير وقد سجل على هذه البوابة أخبار انتصاراته في فلسطين وتاريخ كهنة آمون من أبناء أسرته.

وعلى جدار معبد الكرنك سجل شيشنق انتصاراته الساحقة على إسرائيل في فلسطين، وقد حفرت هذه الرسوم على الحائط الجنوبي من الخارج، وانتشرت بحيث غطت على المناظر العسكرية الخاصة بانتصارات رمسيس الثاني على الليبيين. وبهذه الفتوحات والغزوات يكون شيشنق قد وحد منطقة مصر والسودان وليبيا والشام في مملكة واحدة لأول مرة، ونقوشه تصور ماقدمته هذه الممالك من جزية بالتفصيل وبتحديد حسابي دقيق مما يؤكد أنها لم تكن مجرد دعايات سياسية طارئة كما يتضح أن شيشنق لم يضم الشام كلها فحسب وضم السودان أيضا الذي كان مجرد حلم يراه جميع الفراعنة.

ورد ذكره في التوراة (ملوك أول 14/25ـ 28). كان حاكماً قوياً رفع من شأن مصر كان يريد بسط نفوذ مصر على غرب أسيا، فسيطر على لبنان وفلسطين. كانت تربطه علاقة طيبة بسيدنا سليمان. وبعد وفاة سيدنا سليمان بخمسة سنوات قام شيشنق ملك المملكة الجنوبية، بمهاجمة العديد من المدن حيث خضعت مائة وستة وخمسين مدينة تحت سيطرته، وتدل النقوش التي على معبد الكرنك أن شيشنق هاجم كل فلسطين ، وقد دونت أخبار هذه الحملة على جدران معبد الكرنك

للمزيد من المعلومات زر موقع www.ar.wikipedia.org 

 المصدر ويكيبيديا الموسوعة الحرة

 

 

سليمان الباروني

 

اسمه ومولده :

 

هو الأستاذ الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله الباروني ، وقد رجحت زعيمة الباروني في آخر كتاب نشرته ، أن والدها سليمان الباروني ولد سنة (1290/1873) في مدينة جادو بجبل نفوسة بطرابلس الغرب . وقد كان لهذه المدينة "جادو" التي يتبع معظم سكانها المذهب الاجتهادي "الإباضي" دورها التاريخي في القديم ، حيث كانت في فترات من التاريخ ، العاصمة السياسية ومقر الحاكم لجبل نفوسة .

 

نشأته ورحلته :

 

في العهد العثماني الثاني قضى الباروني سني طفولته المبكرة والمتأخرة في مسقط رأسه وفي قرى الجبل ، وتلقى مبادئ العلوم ، ونصيبا من كتاب الله على مشايخ الوقت في تلك المرحلة ، وكان من أبرز أشياخه والده الشيخ عبد الله الباروني ، الذي تعهده بالتوجيه والتربية إلى سنة (1305/1887) ، حيث أرسله إلى البلاد التونسية وإلى جامعها المعمور هناك .

 

كان نزول الباروني في تونس ، بعد سنوات وجيزة من احتلال فرنسا لها ، فحصلت له - وكان يعد الخمس عشر من عمره - الصدمة الأولى بالاستعمار والمستعمرين . والتحق أيضا بمعهد الشيخ محمد اطفيش سنة (1236) بيزقن من قرى وادي ميزاب في الجنوب الجزائري . وفي تلك الديار ، عاش الباروني ثلاث سنوات موصولة يستقي من ذلك المحيط الصحراوي النقي المشبع بالروح الدينية ويكرع من منهل شيخه المشهود له بالتبريز عند علماء وحكام المسلمين وغيرهم . وقد درس الباروني على شيخه هذا - فيما نرجح - العلوم الشرعية والفنون العربية ، مثل كتاب جامع الوضع والحاشية والإيضاح للشماخي ، وكتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني ، وكتاب التوحيد للشيخ أبي عمار الكافي وكتاب معالم الدين للشيخ الثميني ، كذلك تفسير البيضاوي وتفسير الكشاف للزمخشري وهيمان الزاد للشيخ اطفيش ، ونال قسطا من العلوم العربية مثل كتاب سعد الدين التفتازاني وغير ذلك من الكتب .

 

كما كانت له رحلة إلى مصر عام (1310/1892) ، وظل مقيما فيها مدة ثلاث سنوات . وفي عام (1316/1898) عاد من وادي ميزاب إلى الجزائر ومنها إلى تيهرت برفقة بعض أصحابه ، وفي تيهرت وقف على الأطلال واستوقف ، واستعاد ماضي ملوك الدولة الرستمية وما كان لهذه المدينة من تاريخ مجيد ، ثم تحول مرة أخرى إلى الجزائر ، ومنها ولى وجهته نحو وطنه .

 

أساتذته :

 

بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه فقد اتصل على المستوى الدراسي التعليمي بالحياة التعليمية في جامع الزيتونة وبمناهجه وكتبه وشيوخه المشهورين ، وكان من أظهرهم آنئذ الشيخ محمد المكي بن عزوز ، والشيخ عمر بن الشيخ ، والشيخ سالم بو حاجب ، والشيخ محمد النجار ، والشيخ عثمان المكي ، والشيخ محمد النخلي .

 

محنته وسجنه :

 

سبقت وصوله إلى أرض الوطن وشاية تقضي بأنه كان يعمل ضد أمن الدولة العثمانية ولفائدة دولة أجنبية ، وأنه يتولى رئاسة جمعية فسادية تسعى لفصل ولاية "طرابلس الغرب" عن الدولة العلية ، واتهمته عريضة الاتهام بأنه نصب نفسه سلطانا ، ولقب نفسه بإمام المكان المسمى تاهرت . فسجن في البدء مدة شهرين ونسف ، الأمر الذي أثار ثائرة أهله وسكان الجبل عموما ، وحمل السلطات على إطلاق سراحه بكفالة ، فعاد إلى مسقط رأسه صحبة خمسين فارسا من أعيان مالكية وإباضية الرحيبات ونفوسة وفساطو ، بعد أن برأه الاستئناف بالأكثرية . ولكن لم تمض على إطلاق سراحه هذا مدة طويلة ، حتى جاء نقض البراءة من دائرة التمييز مع عزل أعضاء المحكمة الذين حكموا عليه بالعفو ، فتم القبض عليه من جديد من قبل قائمقام فساطو محمد بك الأسير الشامي ، الذي هول أمام الحاكمين والمحكومين الموقف ، وضخم أحداثه ، حينما اصطحب للقبض على الباروني ما يقرب من مائة وثمانين عسكريا . وأصدرت المحكمة بصورة فورية عاجلة حكمها بنفيه لمدة خمس سنوات بأرض "برود" أو "بقان" الأمر الذي أثار ثائرة القبائل والعشائر ، حتى أخذت تهدد بالتمرد والحركة ، فاضطرت نيابة اسطمبول العامة إلى إعادة النظر في الحكم بإبقائه مدة سنة يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي ، ثم أطلق سراحه وأفرج عنه بكفالة بشرط أن لا تتعدى تحركاته أسوار المدينة ، وأن يظل ملحوظا بمراقبة الضابطة .

 

نشاطاته وأعماله :

 

أفرج عنه بعفو سلطاني عام (1320/1902) ، فجدد مع مواطنيه مسجد جادو ، وشيد مع والده المدرسة البارونية في يفرن عام (1332/1904) ، وكان حريصا على أن يسجل في المناسبات المتعاقبة آيات وده ، ودلائل تعلقه بالرابطة العثمانية والإشادة بذكرياتها ، وبخاصة مدح عبد الحميد الثاني والولاة والمتصرفين ، فنعم في تينك السنين بالأمن وبكبت الحاسدين ، الأمر الذي هيأ له فرصا للتدريس والإقراء والوعظ والإرشاد ، وتحقيق مسائل كتابه الأزهار الرياضية .

  نصحه والي طرابلس بالسفر إلى مصر أو تونس ، فسافر إلى مصر عام (1324/1906) ، وهناك أتيحت له الفرصة للامتزاج بالحياة الثقافية والعقلية ، والإفادة من الحركة الأدبية والفكرية . وقد عقد أيامئذ صلات حميمة مع مشاهير أعلام ذلك المجتمع ، وفي طليعتهم العلماء والأدباء المبرزون مثل الشيخ طنطاوي جوهري ، ومصطفى لطفي المنفلوطي ، وإسماعيل صبري ، وإمام العبد ، وزينب فواز وبرنس القبطي والشيخ المحلاوي . كما كانت له صلات مع العديد من الجمعيات ، كان أبرزها جمعية مكارم الأخلاق . وانتمى إلى الحزب الوطني الذي كان يرأسه الزعيم الشاب مصطفى كامل ، وعقد علائق صداقة مع أعضائه ورجاله البارزين ، وتأثر بنظراته وتقلباته في السياسة . كذلك تأثر بحركة الإصلاح الديني ، وبخاصة دعوة الشيخ محمد عبده - الذي لم تمض على وفاته سنة عند حلوله بمصر - . ولم يقف تفاعله مع تلك النهضة الفكرية عند هذا الحد ، بل مضى أشواطا أخرى أبان فيها عن حيويته ومضاء عزمه وحبه للثقافة والعلم ، فطبع ضمن دائرة بعث التراث وإحيائه التي كانت من أبرز الجهود التي توجهت إليها همم المصلحين والكتاب والأدباء - كتاب والده "سلم العامة والمبتدئين" ودعمه بشروح وجيزة ، ثم أنشأ مطبعة الأزهار البارونية ، التي طبع فيها العديد من الكتب مثل ديوان السيف النقاد للحضرمي ، وكتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة للشيخ محمد اطفيش ، وكتاب الأمالي والذيل والنوادر للبغدادي ، وحاشية الشيخ السالمي على مسند الإمام الربيع ، وديوان القلائد الدرية للشيخ التندميرتي .

 

جريدة الأسد الإسلامي :

 

أنشأ الباروني في مصر هذه الجريدة عام 1907 ، التي أشار فيها إلى بعض أفكاره وآرائه ، وتابع في أنهرها وجوها من النشاطات الفكرية مثل نشاطات الحزب الوطني ، وخطبة زعيمه محمد فريد . كذلك عنى على صفحاتها بقضية بلاده وبغيرها من القضايا . ولئن لم يكتب لهذه الجريدة طول العمر ، إذ لم يصدر منها إلا ثلاثة أعداد ، إلا أنها أبرزت بعض ما كان يعتمل في عقله من أفكار إصلاحية في الدين والسياسة ، فقد كتب في جريدته مقالا حول مفهوم الجامعة الإسلامية والعوائق المانعة من ظهور هذه الجامعة إلى حيز الوجود .

 

رده الصريح على اللورد كرومر : حيث ألف المعتمد البريطاني في مصر كتابا زيف فيه على عادة أهل الأهواء الحقائق ، فتصدى له الباروني رادا عن بطلان دعواه ، داعيا إلى إنشاء حزب الدفاع عن الدين . والحق أن إقامته في مصر كانت حافلة بالنشاط ، مليئة بالأخذ والعطاء ، وقد حدثنا عن بعض انطباعاته وارتساماته وأعماله في البلاد المصرية في أبيات وجيزة في جريدته ، حيث قال :

ولما أن رجــعنا للـديار     ونلنا العفــــو بعد الاقتدار

نهضنا للسياحة والتســلي    وجوب البر مع خوض البحار

نزلنا مصر ذات النيل فيها     رجال العلم كالأسد الضواري

فعلم مدرسي فـاق وصفا     وعلم أزهـــري كالدراري

وفيها الحر يبدي كل فكر     عـــــلانية برابعة النهار

بها كل التسامح فهي حقا      وايم الله منبع للفـــــخار

 

 

 الباروني في الآستانة :  

وبالرغم من قيام بعض الصعوبات الإدارية والحوائل الإجرائية التي واجهته ووقفت في سبيله ، فإنه نجح في الانتخابات ، وسافر في السنة ذاتها إلى الآستانة دار الخلافة الإسلامية يومئذ ، وهناك درس التركية في شهرين بذل فيهما غاية جهده ، وفيها تعرف على البارزين من رجال الفكر والسياسة العرب والترك وغيرهم ، وساهم خلال عضويته بمشاركته النافعة في أعمال المجلس المذكور .

 

الباروني ينبه إلى أطماع إيطاليا في ليبيا :

قدم الباروني تقريرا سريا أشار فيه إلى أطماع ونوايا إيطاليا في احتلال ولاية طرابلس الغرب ، ودعا فيه إلى ضرورة حمايتها والدفاع عنها .

 

الباروني في جمعية الاتحاد والترقي :

وفي هذه الفترة التي كانت تمر فيها تركيا بأدق ظروفها التاريخية ، التي تمخضت فيما بعد عن الأحداث الكبرى التي أثرت في مجريات المسألة الشرقية ، بدأت تظهر صلاته مع قادة وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي ، ومع زعماء "منظمة تشكيلات مخصوصة" التي لعبت أدوارا بارزة في الحرب الليبية الإيطالية . وقد عاد الباروني إلى بلاده في منتصف سنة 1911 بمناسبة وفاة والدته ، ومكث فيها إلى أن نشبت الحرب الليبية ضد جحافل الإيطاليين الغزاة في أكتوبر (1329/1911) .

 

دور الباروني في الجهاد الليبي :

لقد تولى الباروني مهمة مكاتبة الصحافة العربية والغربية ومخاطبة الدوائر الرسمية المسؤولة في الخارج بمجريات الحرب الطاحنة وبما تفعله همجية إيطاليا بالشعب الليبي من تجريد وتشريد . لقد حمل الباروني في هذا الطور راية الجهاد مع أبناء وطنه ، وشارك بسيفه وقلمه في معارك رهيبة ضد المستعمرين المستهينين بحرمة الشعوب ، وظل على ذلك الصيال في الدفاع عن حق أمته ، وفي التضحية من أجل الحرية إلى أن ملكت عليه القضية الليبية روحه وفكره ، وحسه وشعوره إلى أواخر حياته . فمنذ صدمة الاحتلال البغيض ، عمل على التعبئة العامة ، وخاض المعارك التي كان من بينها في السنة الأولى من مراحل الجهاد الليبي معركة الهاني أيام 23، 24، 25 أكتوبر سنة 1911 ، ومعركة عين زارة في 4 ديسمبر 1911 ، ومعركة سيدي سعيد 26 ، 27 ، 28 سنة 1911 . وأبلى في تلك المعارك وغيرها البلاء الحسن .

 

  ثم انتظم مع محمد فرحات الزاوي ، عضو بمجلس المبعوثين في قيادة معسكرات الجهاد ، التي كان يرأسها القائد العثماني نشأت باشا ، فأداروها على خير وجه ، إلى حين سفر نشأت باشا ، حيث آلت الإدارة الكاملة إلى الزعماء الوطنيين ، وكان نت أبرزهم سليمان الباروني . وعندما أبرمت الدولة العثمانية مع إيطاليا معاهدة أوشي سنة 1912 تحت ظروف عصيبة تخلى بعض الضباط الأتراك عن مهامهم في إدارة الحرب والمعسكرات ، كما تخلى كثير من الزعماء الوطنيين عن فكرة مواصلة الحرب والجهاد ، تزعم الباروني مع ثلة من الزعماء المخلصين أمثال محمد عبد الله البوسيفي ومحمد سوف حركة الرفض لتلك المعاهدة ، وأصر على الجهاد ضد الطليان ، وأسس في ذلك التاريخ حكومة أوشكت أن تصل إلى غاياتها في الاعتراف بها وفي نيل ما يسمى "الإدارة المختارة" لولا المكائد الإيطالية التي أحدثت الانقسامات المؤلمة التي ظهرت في صفوف الزعامة الوطنية ، التي عجلت بنهاية تلك الحكومة ، وحسمت الصراع فيما بعد لصالح إيطاليا في معركة جندوبة الشهيرة ، وقد وقف الباروني تجاه تلك الأحداث وقفة عظيمة سجلها له التاريخ ، وأثنى عليها المنصفون من الكتاب والمؤرخين ، يقول اليوزباشي محمد إبراهيم المصري "أحد الضباط المساهمين في الكفاح الليبي" : وإن المرء ليدهشه في سليمان باشا قوة احتماله للمكاره ، وصبره على الشدائد ، حتى إنه في سنة 1913 عندما قام بتأسيس الحكومة الوطنية في طرابلس الغرب ، بعد صلح تركيا وإيطاليا المعروف ، لم تترك إيطاليا وسيلة إلا استعملتها ضده ، فمن السعي إلى تأليب القبائل ضده ، إلى اجتذاب بعض ضعاف النفوس بين الزعماء إلى ناحيتها ، إلى حمل فرنسا على منع القوافل التجارية بين تونس وطرابلس ، كل هذا وسليمان الباروني يعمل على تذليل تلك العقبات ، ومحاربة العدو كلما سنحت فرصة للهجوم من أي ناحية ، حتى يئس العدو من الانتصار عليه بالحيلة أو القوة .

 وفي معركة جندوبة سنة 1913 تمكن الطليان من الانتصار على المجاهدين ، وخضد شوكة الباروني وأنصاره وأعضاده ، فهاجر الباروني مع بعض المناضلين إلى تونس ، ومكث مدة من الزمن في أحوازها ، حيث انتهت المفاوضة بينه وبين الكونت سفورزا مندوب إيطاليا بشأن الإدارة المختارة نهاية سلبية ، حتمتها معركة جندوبة ، واستقل باخرة عثمانية من تونس إلى لندن ، وقد أجرت معه مجلة "التيمس الأفريقية" في لندن مقابلة صحفية ، ابان فيها عن موقفه وموقف الجهاد الليبي ، ودفع فيها عن نفسه التهم الباطلة التي روجها خصومه ، واشاعتها الجرائد والصحف المغرضة .

 

الباروني في الآستانة من جديد :

يظهر أن إقامته لم تطل ، إذ سرعان ما سافر إلى الآستانة ، التي احتفت بقدومه ، وأكبرت في شخصه جهاد الشعب الليبي ، فعين عضوا بمجلس الأعيان ، ومنحه السلطان محمد الخامس لقب الباشوية ، ولم يكن هذا التكريم ليثني من همته ، أو يزين له الخلود إلى الراحة ونسيان قضية وطنه المعذب ، بل كان خلال إقامته في الآستانة كالصمصام الذي اعتاد الضراب فلا يهدأ في قرابه .

 

الباروني في مهمة :

أرسلته الحكومة العثمانية سنة 1914 إلى منطقة السلوم في مهمة لكسب السيد أحمد الشريف في جانب العثمانيين ، ونظرا للاختلاف القائم في وجهات النظر العثمانية والسنوسية حول مسألة حرب الإنجليز في مصر ، اعتقل السيد أحمد الشريف الباروني ، مدة سنة ونصف تقريبا عاد بعدها الباروني إلى الآستانة عن طريق النمسا بعد أن أبدع قصيدته المشهورة :

                                هذا هو الشعور الذي       شهد الحروب الهائلات 

 

في طرابلس 1916 : 

وصل إلى طرابلس على ظهر غواصة تحمل منشورا من السلطان محمد رشاد

 الخامس ، يتضمن نداء لسكان الولاية ، يؤكد على قوة الدولة العثمانية ، وعلى عزمها على مواصلة الحرب مع حليفتها ألمانيا ، ويثني على بطولة الشعب الليبي وصموده ، وفيه أيضا حث على وجوب طاعة حامله سليمان الباروني ، وعلى إدامة الجهاد . وقد وصل في 18 أكتوبر 1916، ومعه الهدايا والأوسمة والنياشين للزعماء والرتب للقادة والأعيان . وقد نزل في مصراتة حيث التقى رمضان السويحلي ، وعلم في اجتماعه به بما كان بين مصراتة وورفلة من خلاف ، فعمل جادا على إزالته وعلى رأب الصدع بين الطرفين ، ثم توجه إلى العزيزية ، حيث تلا في اجتماع كبير المنشور الذي كان يحمله ، فعمت الفرحة القبائل التي حضرت تلاوته.

 

الباروني يحقق الوفاق بين الغرماء :

 

لقد صالح الباروني بين ترهونة وورفلة بعد أن أصلح ما بين ورفلة ومصراتة ، وخفف حدة النزاع بين السويحلي والسنوسيين ، وسعى لإيجاد الحلول للمشكلات بين سكان الجبل الغربي ، تلك المشكلات التي طرأت أثناء غيابه عن البلاد ، كما قام بتنظيمات داخلية ، وذلك بتعيين الرؤساء والقادة والقضاة والموظفين وبنشر الأمن بين الناس.

 

الباروني والجمهورية الطرابلسية :

لما رجحت الكفة في نهاية الحرب العظمى إلى جانب الحلفاء ، وجاءت الأنباء إلى مصراتة في أوائل شهر نوفمبر سنة 1918 بسقوط تركيا واحتلال دول الحلفاء لها ، ظهرت إلى الوجود فكرة تأسيس الجمهورية الطرابلسية ، التي اشترك في الدعوة إليها سليمان الباروني ، ورمضان السويحلي وعبد الرحمن عزام والأمير عثمان فؤاد ومختار كعبار ، ونودي للاجتماع من أجل المطالبة بها وأبرازها ، واختير الباروني والسويحلي والمريض وعبد النبي بلخير أعضاء لهذه الجمهورية . وكان من أهم الانتصارات التي حققتها الجمهورية توحيد الجبهة الوطنية إلى حين ، وأملت شروطا ومطالب وطنية على الحكومة الإيطالية ، ومن بينها الحصول على مزايا القانون الأساسي ، الذي حقق لليبيين بعض ما كانوا يطمحون إليه . لكن سرعان ما دب الشقاق في صفوف الزعماء إلى أن احتدمت حروب ضارية مات فيها مئات من الليبيين. 

الباروني يغادر ليبيا من جديد: 

ومهما يكن من أمر ، فإن تلك المآسي الأليمة ، والعواثير الكثيرة ، جعلته يخرج من بلاده مرغما ، فسافر في البدء إلى إيطاليا مستفيدا من لوائح القانون الأساسي ، ومن صداقاته ببعض الأحرار الإيطاليين ، ولم يطل المكث فيها ، إذ أخبره أحد عارفيه بما يبيت له خصومه ، فسافر إلى "نيس" بفرنسا ، غير أن الحلفاء انتبهوا له وتعقبوه، فطلبوا من فرنسا أن يحتجز فيها ولا يغادرها خاصة للبلدان العربية الإسلامية.

وهنالك بقي في الأسر المفروض مدة سنة ونصف تقريبا ، يتجرع مرارة الاغتراب ، وعذاب فراق الأهل والأحباب ، مع ما اكتوى به من ضيق ذات اليد ، فقد حرم من مستحقاته ورواتبه من تركيا ، بدعوى أنه من الأسماء التي كانت تلاحقها الحكومة الكمالية.

 ولم تشأ إرادة الله ، أن تتركه يتقلب في أحضان الاغتراب والعسر ، فأسعفته على قنوط منه بفرج لم يكن منتظرا ، حيث استجاب صديقه الشريف حسين ملك الحجاز لدعوته ، ومنحه الإذن للدخول إلى مملكته ، فسافر إليها بقصد الحج عن طريق الإسكندرية فبيروت ، وفي الحجاز التقى الشريف حسين الذي عرض عليه أن يقيم في الحجاز لما له من المكانة عنده.

الباروني في مسقط والعراق:

سافر الباروني بعد أداء الحج إلى مسقط بالرغم من اعتراض الإنجليز على السلطان تيمور ابن فيصل آل سعيد . واستقبل في تلك الديار استقبالا عظيما ، ورحب به ترحيبا صادقا . وقد حظي من السلطان تيمور ومن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي بكل تبجيل وتكريم . وقد كانت أهم أعمال الباروني هناك إزالة الخلاف بين القائم يومئذ بين السلطان والإمام ، وبث روح الإخاء بين الساحل والداخل واطراح ما كان بينهما من عداوة وبغضاء . وقلده السلطان تيمور بن سعيد الوسام السعيدي ، وعينه الإمام الخليلي رئيسا لوزارته ، وفوض إليه مهمة الرقي بالإمامة ، وصار محط ثقة الرجلين ، فأوفد في مسألة المصالحة بين الشريف علي بني الحسين ، وبين عبد العزيز بن سعود ؛ لإيقاف الحرب الدائرة بينهما في الحجاز ، وقد مثلهما خير تمثيل لولا الضغوط الاستعمارية التي أحبطت تلك الجهود.

بعد أن ألح عليه المرض العضال ، واصطلحت عليه الحمى والملاريا ، كاتب ملك العراق فيصل بن حسين ، يطلب منه الإذن بدخول العراق ، فأذن له مرحبا ومعترفا بصداقته لوالده الشريف حسين ، ومكبرا لشخصيته . ويستنتج من رسائله ، أنه حل بالعراق عام 1348/1929 ، حيث غمرته من الملك والوزراء والأعيان والعلماء أفضال كثيرة ، أسعدته وهيأت له فرصا للاستشفاء والتداوي والإقامة الطيبة في بلاد الرافدين.

الباروني مستشاراً لسلطان مسقط:

 في سنة 1938 ، وصلته رسالة من السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد ، يطلب فيها إليه أن يكون مستشارا له في عاصمة الساحل ؛ فوافق لدواع أملتها المصلحة الخاصة والعامة ، وغادر العراق ، وعاد من جديد إلى المملكة العمانية ، حيث أقام مع أسرته زمنا ، لم ينس فيه أحبابه وإخوانه الليبيين في موطنهم ، لكن ذلك الحنين الصادي ، والغرام الغريم لأوطانه ودياره ولعشيرته وجيرته كان - كما أبانت الأيام - وقدة الذبالة التي تكاد تنطفئ.

 

مرضه ووفاته في بومباي:

  فقد سكنت الحمى عظامه واستحكمت علة ضغط الدم في جسده ، المنهك المثقل بالهموم والانفعالات ، وازداد الألم المبرح به في أوائل سنة 1940 ، فطلب من السلطان زيارة الهند للعلاج . وطال الأمد بتحقيق الوعد إلى أن أطل يوم 12 من ربيع الأول 1359هـ ، فانتظم في الوفد الرسمي برئاسة السلطان سعيد للقيام بمهمة عمل ولتعاطي العلاج ، فبدأت الرحلة لتشق به عباب البحار إلى بداية النهاية ، توجه مع الوفد السلطاني إلى كراتشي ، ثم انتهى به المطاف في مدينة بومباي ، وقدر له أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فيها ، ويلقى بعد رحلة حافلة مليئة بالعذب والعذاب وجه ربه الكريم فجر 23 ربيع الأول 1359 / مايو 1940م.

المرجع :

- الباروني ، آثاره وأدبه : د.محمد مسعود جبران .

 http://www.meditrraneancentre.net/biographies.htm